ابن ميثم البحراني

113

شرح نهج البلاغة

الظاهر إلَّا أنّ قوله : ولا أكره لكم الإعداد . تنبيه لهم على الاستعداد الباطن والتهيّؤ في السرّ وربما كان فرار الشارح بهذا الوجه ممّا يتوهّم تناقضا وهو كونه قد أشار بترك الاستعداد ، ثمّ قال لأصحابه : ولا أكره لكم الإعداد ، وقد علمت أنّ تركه للاستعداد في ذلك الوقت واختياره تركه لا ينافي تنبيههم على عدم كراهيّته له ليكونوا منه على يقظة كما أو مأنا إليه . وقوله : ولقد ضربت . إلى قوله : أو الكفر . أقول : استعار لفظ العين والأنف والظهر والبطن الَّتي حقايق في الحيوان لحاله مع معاوية في أمر الخلافة وخلاف أهل الشام له استعارة على سبيل الكناية . فكنّى بالعين والأنف عن المهمّ من هذا الأمر وخالصه فإنّ العين والأنف أعزّ ما في الوجه ، وكنّى بالضرب بهما عن قصده للمهمّ منه على سبيل الاستعارة أيضا ، وكنّى بلفظ الظهر والبطن لظاهر هذا الأمر وباطنه ووجوه الرأي فيه ، ولفظ التقليب لتصفّح تلك الوجوه وعرضها على العقل واحدا واحدا . قوله : فلم أر لي إلَّا القتال أو الكفر . تعيين لما اختاره بعد التقليب والتصفّح لوجوه المصلحة في أمر مخالفيه وهو قتالهم ، ونبّه على وجه اختياره له بقوله : أو الكفر : أي أنّ أحد الأمرين لازم إمّا القتال أو الكفر ، وذلك أنّه إن لم يختر القتال لزم تركه وتركه مستلزم للكفر لكن التزام الكفر منه محال فتعيّن اختياره للقتال ، ومراده بالكفر الكفر الحقيقيّ فإنّه صرّح بمثله فيما قبل حيث يقول : وقد قلَّبت هذا الأمر بطنه وظهره حتّى منعني القوم فما وجدتني يسعني إلَّا قتالهم أو الجحود بما جاء به محمّد صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم . فإن قلت : ما وجه الحصر في القتال والجحود مع أنّ ترك القتال بدون الجحد ممكن . قلت : بيانه من وجهين . أحدهما : قال الشارحون : إنّ الرسول صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم كان قد أمره بقتال من خالفه ، لقوله : أمرت أن أقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين . فلو ترك قتالهم مع ما عليه أمر الإسلام من الخطر لكان قد خالف أمر الرسول وظاهر أنّ مخالفة مثله عليه السّلام لأوامر